لم تكشف المصادر التاريخية العربية التي تحدثت عن جزر القمر بشكل أو بآخر، عن اسم آخر لهذه الجزر، مما يرجح الرأي القائل إن العرب هم الذين أطلقوا اسم”جزر القمر” على هذا الأرخبيل. فقد كانت معروفة تماما في العالم الإسلامي ، إذ ورد ذكرها في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب ، مثل المسعودي()(المتوفى 345ﻫ/956م) والإدريسي() (المتوفى 549ﻫ/1154م) والملاح ابن ماجد ( المتوفى 904ﻫ/1498م) وغيرهم.
بيد أن ابن ماجد ذكرهذه الجزر نثرا في كتابه: “الفوائد في أصول علم البحر والقواعد والفصول”() ، ونظما في كتابه: “حاوية الاختصار في أصول علم البحار”() ، فجاء في الفصل الخامس ذكر لجزر القمر وتنويه بمعرفة العرب والعجم بها:

والقمر أوله من الشمال
نعوش أحد عشر بلا محال
أعني برأس الملح يا همام
تعرفه الأعراب والأعاجم

كما ذكرها في أرجوزته المسماة ب”السفالية”() عدة مرات.ويلاحظ أن هناك توافقا في تسمية الجزر بالقمر ومن أطلقها عليها ، ولكن التباين في الرأي يكمن في أصل هذه التسمية وبداياتهاو وتعليلها. فثمة عدة اتجاهات حول هذه المسألة.

الموقع وطبيعته الجغرافية:

التركيب الجيولوجي
تفيد الدراسات والشواهد الجيولوجية بأن جزرالقمرلم تتشكل جزرهاالأربع في عصر واحد ، وبأن تاريخها الجيولوجي يعود إلى مطلع عصر الميوسين في الزمن الجيولوجي الثالث ، أي منذ 15 مليون سنة(). وذلك مع بداية النشاط البركاني الذي وقع في المحيط الهندي وقناة موزمبيق(). وشهد تكون هذه الجزر ثلاث مراحل:
• أولاها : تم ميلاد جزيرة “مايوت” وهي الأقدم تكونا ،
• وثانيتها : بروزجزيرتي “هنزوان” و”موهيلى” إلى حيز الوجود.
• وثالثتها : ولادة جزيرة القمر الكبرى().
وعلى أساس هذا التركيب البركاني وجدت التكوينات البركانية البازلتية السوداء والترابية الرملية الساحلية.وتحتضن جزيرة القمرالكبرى “بركان كارتالا” الذي يجثم على قمة جبل في وسط هذه الجزيرة.
التركيب الجغرافي :
تقع جزرالقمر شمال قناة موزمبيق بالقرب من الساحل الإفريقي الشرقي في جنوب غربي المحيط الهندي. وهي تنتشر بين دائرتي عرض 20-04 ، 11-13جنوبا ، وبين خطي طول 11-19 ، 43-45شرقا ، على مساحة بحرية تقدر بنحو 2600كم2.وتبعد عن دارالسلام عاصمة تنزانيا بحوالي 700كم وعن مدغشقر بحوالي 900كم ، وعن الساحل الجنوبي لجزيرة العرب بنحو 3500كم().
وتوسط هذا الأرخبيل في مجرى الملاحة البحرية في هذه القناة جعله يتمتع بأهمية استراتيجية قصوى ، حيث تعد قناة موزمبيق أقصر طريق بحري ، يربط دول الخليج البترولية بدول الغرب الصناعية ، عن طريق رأس الرجاء.كما كان الأرخبيل في السابق بمثابة جسر يربط السواحل الإفريقية الشرقية بجزيرة مدغشقر ، وموقع متقدم للثقافة الإسلامية والتجار العرب على طول الساحل الشرقي لأفريقيا()
وتتكون من أربع جزر رئيسة مأهولة بالسكان وهي:
اســـم الجزيــرة مساحتها نسبة المساحة
انجزيجا ( جزيرة القمر الكبرى) 1148كم2 51%
أنجوان ( جزيرة هنزوان) 424كم2 19%
مايوت (جزيرة ماوري) 374كم2 17%
موهيلي ( جزيرة موالي) 290كم2 13%
مجمــوع المساحــة 2236كم2
االتركيب المناخي :
وتتمتع جزرالقمر بمناخ مداري رطب مع فصل حار ممطر ، وفصل معتدل جاف. ويمتد الفصل الحار الرطب من شهر نوفمبر حتى شهر إبريل ، ويبلغ أقصى متوسط لدرجة الحرارة خلاله في شهر يناير 27درجة مئوية .ويسود الفصل المعتدل الجاف الفترة الممتدة بين شهري إبريل ونوفمبر ، ويتوافق مع فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي ، وتصل درجة الحرارة في هذا الفصل 23,4 درجة مئوية.وبهذا يصل المتوسط السنوي لدرجة الحرارة 25 ، 5درجة مئوية.لذا لا تشهد جزرالقمر تباينا كبيرا في درجات الحرارة على امتداد فصول السنة().

أصل السـكان :

ينحدر سكان جزرالقمر ، من عدة سلالات ، انصهرت في بوتقة واحدة ، تجمعها وحدة لغوية وثقافية ودينية ، بعيدة عن النعرات القبلية والاختلافات الدينية والمذهبية. ويقدر عدده السكان بـ 652000 نسمة()، كلهم مسلمون على المذهب الشافعي. ويتجاوز معدل النمو السكاني 1ر3% وهومن أعلى معدلات النمو في العالم.
وأهم العناصرالبشرية التي يتكون منها سكان هذا الأرخبيل هي الآتية() :
أولاً : العنصر العربي :
لعبت الحضارة اليمنية القديمة ، في دولها المتعاقبة ، دورا كبيرا في بناء الحضارة البشرية ونقل مؤثراتها إلى الأمم المجاورة ، وقد ازدهرت تجارة العرب اليمنيين في ظل دولة سبأ حتى وصلت سفنهم إلى ساحل شرق أفريقيا وجزرالقمر وزنجبارعام 950 ق.م.
وكانت هذه الزيارات في بداياتها لغرض التجارة ، ثم أخذت بعض مجموعات من هؤلاء العرب في الاستقرار والاختلاط بالسكان الأصليين والتزواج منهم.وبعد ظهور الإسلام ازدادت الهجرات العربية من اليمن وحضرموت وعمان إلى جزرالقمر وبقية دول المنطقة لغرض الدعوة والتجارة والإقامة. ومن ثم أصبح العرب الذين استوطنوا في هذا الأرخبيل جزءا مهما من مكونات سكان جزرالقمر يمثل في الوقت الحاضر حوالي 54% من السكان.وقد أشار إلى هذه النسبة الدكتور محجوب عطية الفائدي في كتابه “عروبة جزرالقمر”().
أما الأستاذ حاجي عبد الله عبد الحميد فذ كرفي كتابه”التطور السياسي في جزرالقمر” أن نسبة العرب تمثل 35% من عدد السكان ، والأفارقة 55%والشيرازيين 3 ، 5% والملايو6 ، 5% ولا أعلم الأساس الذي اعتمد عليه الباحثان في تحديد هذه النسب وتوزيعها على العناصر المكونة لسكان جزرالقمر ، في ظل عدم وجود دراسات أو إحصائيات رسمية وغير رسمية تحدد هذه النسب.
وعلى كل حال فإن الآثار الحضارية والثقافية والاجتماعية العربية ذات الأصول اليمنية والعمانية التي تطبع الحياة القمرية ، في كثير من جوانبها ، ومظاهرها ، خير برهان على الوجود المبكر للعنصر العربي في الأرخبيل وقوته على التأثير والاندماج.

ثانياً : العنصر الإفريقي :
يشكل العنصر الإفريقي مكونا أساسيا من سكان جزرالقمر ، يعود أصله إلى قبائل البانتو التي انحدرت من موزمبيق وتنزانيا والدول الأفريقية المجاورة . ويعتبر العنصر البانتوي هذا من أقدم المكونات العرقية التي استوطنت في جزرالقمر ، وتكون منه ومن غيره القمريون بحكم الموقع الجغرافي ، غير أنه لا يوجد ما يفيد بتاريخ قدوم هؤلاء واستيطانهم في الجزر.
و تشير بعض الآثار التاريخية الموجودة في بلدة “سيما” بجزيرة أنجوان و” موهورو” في جزيرة انجزيجا إلى وجود بعض الآثار الأفريقية التي ترجع إلى تاريخ قديم تنسب إلى قبائل البانتو” مثل بعض الأدوات الزراعية وأدوات الصيد والأواني الفخارية والآلات الموسيقية والمعدات الحربية().
كما تفيد الدراسات الايتنولوجية واللسانيات (Languistique) والروايات المتداولة شفاها ، والواقع المشاهد بوجودهذه القرابة العرقية بين سكان جزرالقمر وسكان الساحل الشرقي الأفريقي ، إذ أن سكان هذا الساحل يتكلمون اللغة السواحلية بينما يتحدث القمريون اللغة القمرية وهي تشبه- إلى حد كبير- لهجة من لهجات السواحلية().
ثالثاً : العنصر الملايــــو :
كان سكان جنوب شرق أسيا والصين وأندونيسا وجزرالملايويقومون برحلاتهم التجارية ووصلوا بسفنهم من القرن الرابع الميلادي إلى ساحل شرق أفريقيا وجزرالمحيط الهندي(). ولهذا كان من بين المجموعات الأسيوية التي استوطنت جزرالقمرعناصرمن أندونيسيا والملايو ، واختلطت بالعناصر الإفريقية والعربية سكان البلاد الأصليين ونتج عن ذلك مزيج من هذه المجموعات المختلفة.
هذا وقد جاء هؤلاء المهاجرون بقصب السكر ، وجوز الهند ، وشجرة الموز ، والقرنفل ، والزنجبيل ، وبخبرتهم وفنونهم في بناء السفن الشراعية والزوارق الصغيرة حتى أصبحت بعض القرى في جزرالقمر تحمل أسماء تدل على البلاد الأسيوية مثل “جاوه” و”مالي “من “ملايو”. لذا فليس من الصدفة أن تشتهر القريتان المذكورتان ، في الوقت الحاضر ، بصناعة الزوارق البحرية().
رابعاً : العنصرالشيرازي :
يعتبر العنصري الشيرازي من العناصر المكونة لأصل سكان جزرالقمر ، حيث حصلت هجرات إلى جزرالقمر من بلاد فارس منذ القرن السادس الميلادي أي قبيل ظهورالإسلام ، واستمرت مع ظهور الإسلام وانتشاره() ، على النحو الذي سيأتي بيانه في هذا البحث.
وقد اندمج هؤلاء المهاجرون مع سكان جزرالقمرالأصليين ، واختلطوا ، وتزوجوا ، وتركوا بصمات واضحة في المجتمع القمري في بعض مفردات اللغة وفن العمارة().
وعلى ضوء ما سبق من العناصر التي يعود إليها أصل سكان جزرالقمر ، وتشكل مكوناتهم الأساسية ، في نسيجهم الاجتماعي والديني والثقافي الحالي ، ترتسم أمامنا علامات استفهام كبيرة : من أول من استوطن جزرالقمر من هذا الخليط ؟ ومتى دخلها العرب واستقروا فيها وماهي المراحل التي مر عليها هذا الاستيطان؟

نشأة وبداية الصلات العربية القمرية :

تعددت الآراء حول أولية من سكن جزرالقمر ، وذكر الأمير شكيب أرسلان() في حديثه عن “الإسلام في ماداغسكر وجزائر القمور أوالقمر” نقلا عن السيد ألفريد جفري()”ِAlfred Gevrey” في بحثه عن القمور ما معناه أن مهاجرة الساميين إلى تلك الجزائرهي من عهد سليمان بن دود().. ثم أضاف أن المسيو جفري قال :” إن أصل سكان القمور يهود أو أدوميون() ، جاءوا من البحر الأحمر بعد عهد سليمان ، وجاء إليها في الوقت نفسه زنوج من زنجبار ، وكانت تختلف إليها كثيرا سفن العرب ، لكن هؤلاء لم يتوطنوا فيها إلا في القرن الخامس للهجرة. ”
ويلاحظ هنا أن السيد جفري غير متأكد بهذا الادعاء ومتشكك في كون أصل القمريين من اليهود أو من الأدوميين ، وبالتالي وضعنا في “حَيْصَ بَيْصَ” أمام أمرين متضادين. وفي حالة ثبوت الاحتمال الأول لكان أهل جزرالقمر قبل الإسلام هم أهل كتاب ، أصحاب دين سماوي لكون اليهود أهل كتاب.وإذا كان على فرض الاحتمال الثاني لكانوا وثنيين ، لأن الأدوميين هم كذلك وعبدة آلهة متعددة. وكلا الاحتمالين يحتاج – في نظري-إلى دلائل موضوعية و شواهد ملموسة للإثبات وهذا ما لم يؤكده بعد الواقع على أرض هذا الأرخبيل.
ولعل الرأي الأول هو ما دفع العلامة برهان محمد مكلا القمري() ، إلى اعتبار العنصر الإسرائيلي من السلالات المكونة لسكان جزرالقمر ، وأنه وصل إليها بعد عهد سيدنا سليمان –عليه السلام-وخراب بيت المقدس على يد بختنصر ، وتفريق بني إسرائيل إلى الجهات المختلفة من العالم، بينما يرى البعض() “أن أول من سكن جزرالقمر في القديم هم جماعة من العنصر الماليزي ثم وصل الآدوميون وهم من الجنس السامي أيام سليمان عليه السلام ، ثم وصلت إليها جماعات من الزنوج من زنجبار وأفريقيا ومن مدغشقر وبلاد اليمن وبلاد فارس وبلاد الهند.أما العرب فحسب رواية المسعودي فقد فتحوا جزيرة أنجوان في عام 208ﻫ/823م.
ونجد صاحب “جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار()” الذي يؤكد هو الآخر التعددية العرقية لسكان جزر القمرأنه لم يشر إطلاقا إلى اليهود ولا إلى الأدوميين بل جعل الجاويين أنهم أول من وصل إلى الأرخبيل. فقال:«سكان القمر الكبرى مزيج من العرب والجاويين والشيرازيين والإفريقيين ، فالجاويون هم الذين نزلوا بالقمر قبل أن يسكنها أحد من الناس ، ويسمى المحل الذي نزلوا فيه باسم بلدتهم الأصلية ، هي جاوة ، وإلى الآن يسمى بهذا الاسم ، وهي في مطمهولي. ومن بعدهم نزل القمر العرب من بني يعرب المناذرة ، وغيرهم من قبائل عمان ، ثم توالى نزول جماعات ، سنة بعد سنة ، من عرب اليمن وحضرموت».
وبما أن المصادر التاريخية التي تحدثت عن جزر القمر قديما لم تكشف عن اسم آخر لهذا الأرخبيل كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، بل تكاد تكون مجمعة على أن العرب هم الذين أطلقوا هذا الاسم على هذه الجزر -على اختلافها في النطق و سبب التسمية – فيمكننا القول إن العرب هم أول من سكن في هذا الأرخبيل ، واستوطن فيه ، وخلع عليه هذا الاسم العربي الساحر ، لأنه ليس من المعقول أن يسكن في هذه الجزر غيرهم قبلهم من العناصر الإفريقية أو الأسيوية أو الشيرازية التي تكون منها سكان جزر القمر – على النحو الذي رأيناه آنفا- دون أن يطلقوا اسما على بلدهم وموطن إقامتهم ، ثم ينتظروا من يأتي بعدهم لإطلاق الاسم على البلد الذي هم أصحابه وسكانه الأصليون.
ويضاف إلى ذلك كون المؤثرات العربية والإسلامية هي السمة الغالبة والبارزة في المجتمع القمري في معظم مظاهره وجوانبه المختلفة.ومما يعزز هذا ما أشار إليه بعض الباحثين() بخصوص أول من سكن جزر القمر من العناصر المكونة لسكانها:
« وقد كان أهل جزر القمر قد جاءوا من ساحل البحر الأحمر الغربي ، ثم جاء إليها في بعض الفترات التاريخية زنوج من زنجبار ، وكانت تفد إليها بكثرة سفن العرب منذ عصور قديمة ، وقبل ظهور أنوار الإسلام. ولكن النفوذ العربي الإسلامي لم يتوطد في جزيرة مايوت وأنجوان إلا منذ القرن الخامس الهجري حيث ظهرت رعية إسلامية كبيرة العدد في تلك الفترة ، ولقد شهد القرن السادس عشر الميلادي قدوم البرتغاليين إلى تلك الجزر ، حيث فتحوها ولكنهم مروا عليها كعابر سبيل . وبعد انصرافهم من هناك جاءت جماعات من الفرس الشيرازيين».
ويفهم من هذا أن العنصر العربي هو أول من استوطن الجزر وتلاه العنصر الإفريقي ثم الشيرازي ولم يتطرق إلى ذكر المجموعة الملايوية الإندونيسية.
ويظهر أن العرب عرفوا هذا الأرخبيل قبل ظهورالإسلام ، وكان محطة مهمة لسفنهم التجارية التي كانت تبحر بين الساحل الإفريقي الشرقي وجزيرة العرب. غير أنه يصعب تحديد بدايات وصولهم إلى جزرالقمر بالذات واستقرارهم فيها لعدم تمكن الباحثين والمنقبين عن الآثار والوثائق من العثور على ما يضئ الطريق لمعرفته ، لكون البراكين وما تحمله من حمم مدمرة قضت على المعالم والآثار التاريخية والحضارية القديمة لهذه الجزر.
على أن أقدم المصادر التي تتحدث عن حالة العرب في ساحل شرق أفريقيا هو كتاب أحد الملاحين الإغريق() ، عاش في الأسكندرية في القرن الأول الميلادي وزار المنطقة ، وعرف ذلك الكتاب باسم “الدليل الملاحي للبحر الإرتري”(). وتناول الكتاب الموانئ في شرق أفريقيا وتاريخها والتجارة فيها ، ووصف حالة العرب في المنطقة وسفنهم وتجارتهم واختلاطهم وتزواجهم من القبائل الأفريقية ، كما أكد العلاقات التي كانت قائمة بين العرب من جنوب الجزيرة العربية والساحل الشرقي لأفريقيا ، فذكر أن بعض زعماء الساحل الشرقي كانوا يدينون بالولاء لأمراء حمير في جنوب الجزيرة العربية ، وأن السفن العربية كانت تأتي من جنوب الجزيرة ومن بعض مناطق المحيط الهندي حيث تتبادل التجارة بينها وبين الساحل().
ويبدو أن هذا الكتاب هو أول مصدر أشار إلى العلاقات القديمة والصلات التجارية الوثيقة التي كانت قائمة بين عرب جنوب الجزيرة العربية وشرق أفريقيا في القرن الأول الميلادي.
وذكر أيضا المؤرخ الروماني بلينيوس (70م) أن التبابعة ملوك اليمن عرفوا مناطق كثيرة من الساحل الشرقي لأفريقيا وجزره وكان لهم عليها شيئ من النفوذ إذ كانوا يتاجرون معها ، وقد حرموا العامة من الاتجار ببعض هذه الأصناف كالطيور والأفاويه لكي تبقى احتكارا لهم().
ويظهر للباحث –على ضوء ماسبق- أنه خلال تردد العرب إلى المنطقة للتجارة قد يكونون وصلوا إلى جزر القمر لوقوعها في مضيق موزمبيق ، ممر السفن التجارية القادمة من وإلى جنوب شبه الجزيرة العربية ، فليس من المعقول أن تتردد تلك القوافل التجارية إلى بلدان الساحل الشرقي لإفريقيا وجزرها دون أن تكون جزر القمر من ضمنها لما ذكرنا.
ومما يدل على أن العرب هم أول من قدم إلى هذا الأرخبيل المخطوط العربي القديم ، الذي اكتشفه الفرنسيون في جزيرة ” مايوت” ، والذي جاء فيه:” لقد روى لنا أجدادنا أنه في عصر النبي سليمان عليه السلام جاء إلى جزيرة” انجزيجه” رجلان عربيان من منطقة البحر الأحمر ومعهما زوجتاهما وأولادهما وخدمهما ، واستقروا في هذه الجزيرة ، ومن بعدهم جاء أناس كثيرون من إفريقيا وزنجبار ليسكنوا هذه الجزر”().
بيد أن هذا الاستيطان العربي المبكر في هذا الأرخبيل لم يتم طفرة ، لأن ذلك يخالف طبيعة الأشياء ، بل حصل على عدة مراحل متباعدة على النحوالآتي():

المرحلــــة الأولــــى:

تتمثل هذه المرحلة في الهجرات العربية التي جاءت من جنوب الحزيرة العربية قبل الميلاد وخاصة من اليمنيين ، من قبائل معين وسبأ وحمير ، الذين شيدوا حضارة راقية ، في جنوب شبه الجزيرة العربية ، في مجال العمارة وبناء السدود والسفن والمراكب الشراعية ، وقد بلغ شأو هذه الدولة في عهد الملكة بلقيس التي كانت تحكم اليمن حوالي 960ق م .
وفي هذه الأثناء قد تحركت مجموعات ، عبر البحر الأحمر ، إلى الشواطئ الإفريقية الشرقية وجزر المحيط الهندي لغرض التجارة ، في بداية الأمر، ثم طاب لهم المقام والاستقرار في بعض المناطق الساحلية والجزر ، التي وصلوا إليها ، وكان من نصيب جزر القمر بعض هذه الهجرات العربية التي حملت مؤثراتها اللغوية والاجتماعية والحضارية().
ويبدو أن هذه المرحلة-على قلة الهجرات فيها- إلا أن أهم ملمح فيها يمثل بواكير تعرف القبائل العربية على جزرالقمر ، ومن ثم على جزر المحيط الهندي بشكل عام.

المرحلــة الثانيــة :

تواصلت الهجرات العربية من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شرق إفريقيا بعد ظهور الديانة المسيحية ، وقبل ظهور الإسلام ، عندما انهار سد مأرب عام 120م وتدهورت الحضارة اليمنية .ووصل بعض هؤلاء المهاجرين إلى شرق إفريقيا ، والبعض الآخر إلى جزر المحيط الهندي ، ومنها جزرالقمر واستقروا فيها ، واختلطوا مع من سبقهم إليها ، من العرب والأفارقة ، وتزوجوا منهم ، وصاروا من أهلها.
وتمثل هذه المرحلة –في رأي الباحث- مرحلة استقرار وتوطن القبائل العربية المهاجرة إلى الأرخبيل ، وتصاهرها مع القبائل والعناصر الأخرى ، و بدأت -بالتالي – تظهر في هذه المرحلة أجيال المولدين الذين يحملون أسماء القبائل العربية المهاجرة ، و يحتفظون في الوقت ذاته بنسب عالية من العنصر المحلي.

المرحلة الثالثة:

هي الهجرات العربية التي كانت بعد ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي ، حيث توالت الهجرات ، من جنوب وشمال الجزيرة العربية ، إلى مناطق كثيرة من العالم ، كان من بينها شرق أفريقيا ، وجزر المحيط الهندي التي منها جزر القمر.وهذه الهجرات كانت تهدف إلى التجارة ، ونشر الإسلام ، أو الاستقرار والإقامة هروبا من الصراع الديني والسياسي والعرقي الذي كان يعاني منه بعض الناس أثناء حكم الأمويين والعباسيين للدولة الإسلامية. ومن ضمن هؤلاء الجماعة الزيدية التي قدمت عام122ﻫ /739 م إلى شرق أفريقيا هربا من اضطهاد الأمويين لهم().
ومما يدل على ذلك وجود جالية عربية في جزر القمر يطلق عليها ” الاموزديج” وهي تحريف كلمة سواحلية تعني الزيدية. وقد تتابعت الهجرات العربية في تدفقها إلى الأرخبيل حتى أصبح العرب هم أصحاب النفوذ والحكم ، من القرن الخامس عشر الميلادي/التاسع الهجري وحتى الاحتلال الفرنسي له منتصف القرن التاسع عشرالميلادي/الثالث عشرالهجري.
وتشكل هذه المرحلة أخطر وأهم مراحل الهجرات العربية إلى جزر القمر، وذلك أن العناصر المهاجرة قدمت إلى جزر القمر بمفاهيم جديدة ، ومعتقدات جديدة ، وثقافة جديدة ، وأهداف مختلفة عماد كل ذلك هو الدين الإسلامي الذي يمثل العنصر العربي فيه رمزا للدعوة الإسلامية متكلما باللغة العربية ، التي هي لغة القرآن الكريم أساس هذه الدعوة .
كما تعتبر هذه المرحلة أيضا مرحلة مهمة في علاقات جزر القمر بحواضر العالم الإسلامي في ذلك الوقت ، على الرغم من أن العناصر التي هاجرت في هذه الفترة لم تكن كلها- كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفا- قد هاجرت لأسباب واعتبارات تتعلق بنشر الدعوة الإسلامية إلا أنها قد ساهمت بشكل أو بآخر في بسط تعاليم الإسلام ، ونشر قيمه ، وتحويل المجتمع القمري إلى الإسلام .